
في زاويةٍ من الغرفة .. رَكَنتْ نفسَها هناك ..!
في ظلامٍ دامسٍ محى كل لمحة فنّ من وجهها .. و قتلَ كلّ ذرةٍ من جمال مُحياها .. !
في زاويةٍ من الغرفة .. شعرٌ طويلٌ انسدلَ على وجهها .. مُبللٌ مغرورقٌ ببحيرةٍ من دموعٍ غدَتْ ينابيعَ منهمرة على براءة وجنتيها .. !
في زاويةٍ من الغرفة .. مستقبلٌ مجهول .. و فؤادٌ شبه مقتول ..!
تسلل ضوءٌ من وراء نافذةٍ زجاجية أخذتْ متوسّطها من الغرفة .. ليسري و يقتحمَ خبايا ذلك الوجه الظلوم !
ذلكَ الذي طوَّقتـْهُ بإحكامٍ بين ذراعيها الهزيلتين .. و ألقتْ به بين ركبتيها فغدى وكأنه في غيابةِ جُبٍّ مُظلم الأركان .. لا يُرتجى من ورائه نور .. و لا حتى بصيصٌ منه !
ترفع وجهها بتثاقل و بطئ .. فهي في منظرها هذا أشبهُ بالميّتِ قد قامَ من وراء الحُطام .. !
بل و كأنها روحٌ من شبح .. بل رمادٌ من حُطام .. !
تلتقي عيناها المظلمتان بنور ذاك القمر .. ليُشكّلَ ذلك المنظر أقوى و أمثلَ صورةٍ للطباق في تاريخ اللغة !
فكيف لذلك الظلام الحالكِ القاسي أن يلتقي ذاك النورَ الوديع ..!؟
ما أبشع المقارنة .. و ما أقوى التضاد !
تحاوره تقول :
- أتحاول أن تُخرجني من غيابةِ ظـُـلـُماتي ؟! ويحكَ لن تستطيع !
- بل جئتُ لأفكّ قيودَ أسرٍ طالَ به الزمان .. أما ترينَ ما فعله بك ؟! غدَوْتِ أقربَ للموتِ منه إلى الحياة !
- و ما شأنكَ و شأن موتي ؟! إن أُسِرْتُ فذاك قدَري .. و إن متُّ فذاك مصيري !
- بئس التفكير الذي تحملين .. و خابَ ظنّكِ الذي تظنين !!
- ويحكَ ماذا تقول ؟!
- أيا شُؤمًا .. فلتعلمي .. أنّ قدركِ هو أن تُقاومي ذلك القدر .. حتى يأتيكِ من المولى الفرج !
و أما مصيركِ .. فهو القتال بضراوة .. ومُكابدة الحياة و مُصارعتها .. إلى أن يقضيَ اللهُ أمرًا كان مفعولا .. و يندثرَ ذلك الجسدُ في خبايا التراب .. !
- ولِمَ المقاومة .. و لِمَ كلّ هذا القتال .. ؟! لِمَ لا تدعني أموت بسلام ؟!!
- أيّ سلامٍ ذاك الذي به تهذرين .. و روحكِ الحيّة قد دفنتِها في مظالم تابوتِ يأسك و جهلك ؟!!
- و لكني سئمت .. سئمتُ يا نوري .. سئمتُ مظالمَ الحياة سئمتُ نوائبها ؟! متى الرحيل ؟!!
- ويحكِ .. أولمْ يُخلق الإنسانُ في كـَبَد ؟!! أم أنكِ تجهلين الحكمة الربانية من وراء الخلق ؟!
فلتعلمي أنه ما من رحيلٍ حتى ينقضي الأجل .. نعم .. فـ " لِكُلّ أجلٍ كِتابٌ " .. !
- و آلامي ؟!
- صارعيها .. وحدكِ بعزمكِ و إصراركِ و روحكِ المتفائلة تستطيعين التغلب عليها .. و العيش بسلام :)
و ثقي بأن الرحمن لن يضيعكِ ;)
اعذريني .. فقد حانَ وقتُ الرحيل !
- لحظة .. رجَوتُكَ لا تدعني !
- بل سأدعُ لكِ نورَ الصباح يُكمل معكِ المسير .. فنوري ما هو إلا "تقزورة" .. لوقتي الراكد .. أما نورُ الصباح .. ففيه الإخلاص و العمل الدؤوب .. بإشراقة دافئة .. تحمل بين حناياها كلّ معاني الحياة .. فلتكن انطلاقتكِ منها ;)
- و أنت ؟! ما العمل بين أرجائك ؟!
- دعيني لمناجاتكِ .. لكفيكِ تـُرفع للتواب الرحيم .. تسأله التوبة النصوح .. فوَقتي هو وقت التائبين العائدين .. الأوابين المنيبين .. لا يُخذلُ فيه سائل .. و لا يُرَدّ فيه داعٍ .. !
فليكن في وقتي غذاؤكِ الروحيّ .. و في النهار قوة و نشاط مُستقاة من ذاك الغذاء ;)
دُمتِ بـ نور =")